الجامعات والتنشئة الوطنية

الأربعاء, 02 اكتوبر 2019 | د. إبراهيم البعيـّز | مدونة شخصية

تسابقت الجامعات الأسبوع الماضي في التباهي بفعاليات وأنشطة طلابية بمناسبة اليوم الوطني. وهذه جهود تذكر وتشكر، ولو أن معظمها لم تختلف كثيرا عن ما قامت به المدراس المتوسطة والثانوية. للجامعات مسؤولية اهم واعظم في التنشئة الوطنية، وفي تعزيز روح الانتماء بما يضمن لنا حفظ ذلك المكتسب الذي انجزه الملك المؤسس –عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – ورجاله الأبطال، تغمدهم الله بواسع رحمته وأسكنهم فسيح جناته. فقد أنجزوا اعظم وحدة عرفها العرب في تاريخهم المعاصر، وحدة ظلت ولله الحمد متماسكة لأكثر من ثمانية عقود، لم تهزها الرياح العاتية التي مرت على المنطقة العربية.

ترتكز أهمية الجامعات في كونها تحتضن رجال المستقبل الواعد، ممن سيتولون متابعة المسيرة التنموية. تحتضنهم في مرحلة عمرية حرجة من نموهم الفكري، حين تبدأ الاتجاهات وقيم الثقافة السياسية ومشاعر الانتماء تتشكل. وارى أن دور الجامعات في ذلك يأخذ محورين:

المحور الأول تعزيز الوحدة والاندماج الوطني

شهد التعليم العالي تطورا كميا ملحوظا، حيث وصل عدد الجامعات إلى 43 جامعة حكومية (29) وأهلية (14) غطت كل المناطق الإدارية و11 محافظة. فعلى الرغم ما لذلك من جوانب إيجابية في زيادة القدرة الاستيعابية للتعليم الجامعي، إلا انه قد يكون من الأثار السلبية على مقومات الوحدة والاندماج الوطني في المستقبل المنظور. هناك اعتقاد خاطئ لدى بعض مسؤولي القبول في الجامعات الحكومية بأن القبول في الجامعة مقصور على أبناء المنطقة، مما قد يتسبب في عزلة ثقافية لشبابنا وانعدام فرص الالتقاء والتعارف، وما يترتب عليه من تواصل ثقافي في الجامعة، تواصل يتجاوز قاعات الدرس والمعامل ليشمل الأنشطة الثقافية والفعاليات الاجتماعية. هذه تمثل تجارب لا يستهان بها في تشكيل الوحدة والاندماج الوطني بين أبناء المملكة من مختلف المناطق. فقد كانت لي ولمن هم من جيلي ممن جمعتنا مقاعد الدراسة في جامعات الملك سعود والملك عبدالعزيز والملك فهد فرصة شرف الالتقاء والتعرف وتكوين صداقات مع زملاء من كافة مناطق المملكة. لم تكن تلك الفرصة لتتحقق لولا اضطرارنا لان ننتقل من مدننا وقرانا للالتحاق بالجامعة. لذا على وزارة التعليم والجامعة النظر في إيجاد نظام يتحقق به أن لا تقتصر الجامعة في قبولها على طلاب المنطقة فقط، وأن يكون من معايير الاعتماد المؤسسي للجامعة نسبة لا تقل 25% من طلابها من خارج المنطقة. وان تتبنى الوزارة مشروعا يعزز جهود الجامعات في الوصول إلى هذا الرقم، وذلك بتعديل برنامج المنح الدراسية الداخلية بحيث يشمل طلاب الجامعات الحكومية القادمين من خارج المنطقة، بحيث تمنح الوزارة مكافأة مجزية للمقبولين من خارج المنطقة، وذلك لتشجيع الطلاب المتميزين للدراسة في جامعات خارج مناطقهم. ففي الوقت الذي نصرف فيه مبالغ مجزية على برامج الابتعاث، يجب أن يوازي ذلك برامج للمنح في الجامعات الداخلية وان لا يقتصر ذلك على الجامعات الأهلية.

المحور الثاني: التاريخ الوطني

يدرس الطالب في كل مراحل التعليم العام تاريخ المملكة، لكن ذلك لا يستمر في المرحلة الجامعية، وهي المرحلة التي تبدأ فيها مهارات التحليل والتفكير المنطقي والفهم الحقيقي للتاريخ. وهنا لا يفترض أن يكون منهج التاريخ تكرارا لما تمت دراسته في مراحل التعليم العام، حيث التركيز على تاريخ الملوك وإنجازاتهم. بل يجب أن يكون تاريخا للمجتمع بكل أبعاد والمحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهذا من شأنه أن يمكن الطالب من تحليل وفهم الظواهر الاجتماعية، وما مر به المجتمع السعودي من تطور ونمو ضمن سياقات تاريخية وثقافية، وبتفكير منطقي يحميه من محاولات التشويه والتزوير. كما من شأنه أن يعزز ويمني لديه الذائقة الثقافية وتقبل التنوع الثقافي بين مختلف مناطق المملكة.

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

عليك تسجيل الدخول أولاً كي يتاح لك ترك تعليق