لبنان من سويسرا إلى قندهار!

السبت, 26 اكتوبر 2019 | محمد الرميحى | جريدة الشرق الاوسط

ثورة «الواتساب» اللبنانية قد تسجل في التاريخ أنها ثورة على الطوائف، وهي لم تفاجئ إلا من يريد أن يدفن رأسه في الرمل، لبنان كان من المتوقع أن ينفجر. أما الذي لم يكن معروفاً لدى المراقبين، فهو متى؟ وهو الآن يفعل عملاً سياسياً جماهيرياً غير مسبوق في الساحات العربية، وقد يفاجئ البعض أن جزءاً كبيراً من هذا الشعب العربي ليس حزيناً على ما سماه حسن نصر الله «حُسين زماننا» في طهران! بل هم حزانى على نقص الخبز في أفرانهم، والدواء في صيدلياتهم، والدولار في بنوكهم، وفرص الأعمال في اقتصادهم، وأكثر من ذلك اختراق مؤسسات الدولة.. هذا الحزن جعل «ملايين» من هذا الشعب الصغير يذهب إلى الساحات، ليلة تلو أخرى، في الجنوب والشمال والشرق والغرب، مطالبين باسترداد وطنهم اللبناني الذي سرق.
اللافت في الحراك اللبناني أنه لم يعد حراكاً من قبل «شارع ضد شارع» كما كان في كثير من الأزمات السابقة، بل إن ثورة «الواتساب» جذبت كثيرين، حتى من بيئة «الثنائي» الشيعي، التي كانت مغيبة، وبعضهم جهر بما كان يخفي زمناً خوفاً أو رجاء، لأن الألم لم يعد يطاق، و«الشعارات» لا تقلل من الجوع والفساد. المعيب أن مجلس الوزراء اللبناني مساء الاثنين الماضي، وهو يضم بعض العقول النيرة، وقد أعلن عن لائحة الإصلاحات الطويلة، قد صاد كثيراً من الطرائد، إلا أن الطريدة الكبرى أو «الفيل الأبيض» الذي كان يجب أن يشير إليه لم يستطع ذكره، حتى نقده، وقد كان الفيل الضخم في مكان الاجتماع، بل كان جالساً على الطاولة، وهو وجود «دولة مكتوفة الأيدي ودويلة مسلحة طليقة اليد»! ذلك صلب الوجع الوطني اللبناني. الشعب اللبناني المنتفض قد أشار إلى ذلك الفيل بالقول: «كُلن... يعني... كُلن»! في حسرة عميقة على ذلك التحالف الانتهازي مع «الفيل»، حقيقة مطلقة أن ذلك الفيل لا تستطيع دولة، كبرت أو صغرت، تشتت أهلها أو اتحدوا، أن يعيشوا في ظله، دولة وسلاحين!!
كل معضلات لبنان السياسية والاقتصادية والمعيشية هي في معادلة «السلاح والفساد» التي تكونت على مرّ السنين، وتفاقم حضورها في العهد الأخير؛ حيث استقوى ممثلوه على الناس، وضربوا بعرض الحائط مشاعرهم الإنسانية، بعد أن هددوا عيشهم، هذه المعادلة نخرت في الجسم اللبناني على مر سنين، فأصبح للدويلة نظامها الاتصالي، وجيشها الميليشياوي، ونظامها القضائي، واقتصادها الأسود في التهريب والابتزاز، حتى أصبحت الدولة اللبنانية هيكلاً لا لحم حوله، وجسداً لا روح فيه.
السبب الرئيسي لتدهور الوضع الاقتصادي في لبنان هو وجود سلاح «حزب الله» وتسلطه على الدولة، وكلما وصل السياسيون إلى تلك الحقيقة، قربت إفاقة لبنان من سكرة الموت إلى مشارف الحياة، وكلما ابتعدوا عنها، قرب لبنان إلى الانتقال إلى الدولة الفاشلة، ومهما حاول البعض أن يغطي تلك الحقيقة، فإنها قد ظهرت للّبناني العادي في الساحات المختلفة، وتمثلت في شعاراته. بالعقل، تفاقم الأوضاع المعيشية في لبنان سببها الرئيسي هو «افتقاد الأمن»، الذي سببه بلا منازع وجود سلاح في يد مجموعة غير مسؤولة، ما أخاف رؤوس الأموال، وهجّر السياح، وشكّك الدول، حتى أبناء البلد أنفسهم في سلطة القانون، فلبنان بلد ليس صناعياً وليس زراعياً بالمعنى العام للمفهوم، هو بلد خدمي، معظم اقتصاده قائم على القطاع الخاص، ومعظم دخله إما من السياحة وإما ما تفرع منها من خدمات في قطاع العقار وملحقاته الأخرى، وإما من تحويلات المغتربين اللبنانيين من الخارج والمساعدات الدولية، ومع الفساد وغياب الدولة تردد كثير من الدول في تقديم المعونة.
عمود الاقتصاد اللبناني قطاع المصارف، وعلى الرغم من كل الأزمات السابقة، فقد استطاع قطاع المصارف أن يسند الاقتصاد اللبناني عن طريق مساندة سعر الليرة، ومنعها من الانهيار، ذاك الأمر بدأ في الاهتزاز مؤخراً، ففارق سعر الليرة الرسمي سعرها في السوق الموازية، فقربت ودائع الناس الذين عملوا كل حياتهم في جمعها على التآكل، ومع الاستهداف الأخير لهذا القطاع في ورقة الإصلاح يتم القضاء على عمود الارتكاز، فقد توجه السياسيون اللبنانيون للوم البقرة الحلوب (قطاع المصارف) على تحجيم دور المتسبب في الأزمة (الفيل الأبيض).
افتقاد الأمن في لبنان هو حجر الزاوية للأزمة العميقة، لأن أهل السياحة وأهل الاستثمار وأصحاب التحويلات لم يعودوا يأمنون على أمنهم الشخصي أو رؤوس أموالهم، ومخادعة السياسيين بأن يكون لبنان في حضنهم «هانوي وسنغافورة» في الوقت نفسه، مخادعة لم تكن إلا محض خيال. زد على ذلك أن سلاح طائفة خارج رحم الدولة، لم يكن من أجل هدف وطني، بل هدف عابر للوطني إلى الإقليمي، بل الدولي، ثم تحول إلى «بندقية للإيجار»، وليس سراً على أي لبناني، كبر أو صغر، معرفة أن هناك ترديداً يومياً علنياً لشعار يقول: «نحن لا يهمنا لبنان، يهمنا حُسين زماننا»! هذا الشعار في بيئته، عندما ضاقت سبل العيش، لم يعد يقنع، فالشعار بدأ يهتز، كما عبّرت عنه إحدى الصحف الناطقة باسم الحزب، حيث قالت: «... في قلب الكتلة الغاضبة، احتل مكانه مكون مهم، يضم المنحدرين من مناطق نفوذ الثنائية الشيعية.. تلك الشريحة بدأت الأكثر حضوراً وغضباً...». تلك شهادة شجاعة، من أجل الإشارة إلى أن «الفيل الأبيض» في بيت الخزف اللبناني يعطل الاقتصاد، ويفقر العباد، ويعادي العالم، وأصبح مشكوكاً فيه، حتى في بيئته.
من يقرأ أرقام وبيانات التحويلات من الخارج إلى لبنان، وأرقام السياح، على مر السنوات القليلة الماضية سوف يرى أن تلك الأرقام تتراجع بشدة، وهي عمود الاقتصاد اللبناني، كما هي تمره ولبنه، لأن بقية القطاعات إما مستندة وإما متداخلة في تكوينها.
العالم كله يقول للحكومة اللبنانية إن وجود ذلك السلاح يأخذ الدولة والمجتمع إلى مكان هو أقرب إلى «الأسر» ويغامر بحياة كل اللبنانيين، وليس بعضهم فقط، إن أضفنا إلى ذلك أن هذه المجموعة المسلحة والعقائدية ترسل محازيبها إلى كل مكان في العالم فيه صراع، إلى اليمن، وإلى سوريا، وإلى مناطق بعيدة، وكأنها مفوضة باستباحة دماء اللبنانيين الفقراء لتحرير العالم! فقط لأن القيادة التي هي في طهران قد أمرتها بذلك. الحراك اللبناني الحالي هو أمام تحويل لبنان إلى سويسرا مرة أخرى، وهي غنية بمواردها، في ظل شفافية وإدارة رشيدة، أو تحويله إلى قندهار، الكرة في ملعب الجمهور اللبناني ومدى صلابته!
آخر الكلام:
في حال نجاح اللبنانيين في العبور من دولة المحاصصة والسلاح والفساد والطوائف إلى دولة مدنية حديثة، فإن ذلك سوف يُسمع بسرعة في دول محاصصة أخرى، خاصة العراق وسوريا، أما في حال الفشل، فسوف يكون فشلاً مؤقتاً إلى الجولة الثانية، لأنه لم يعد هناك مكان للشعوذة، فما أوله خرافة... آخره غضب!

 

تعليقات

لا يوجد نتائج مطابقة


تعليقك هنا

عليك تسجيل الدخول أولاً كي يتاح لك ترك تعليق